ابن عربي

198

فصوص الحكم

والكبير أبعد . فمن كان من الله أقرب سخَّر ( 1 ) من كان من الله أبعد ، كخواص المَلِك للقرب منه يسخِّرون الأبعدين . كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرز بنفسه ( 2 ) للمطر إذا نزل ويكشف رأسه له حتى يصيب منه ويقول إنه حديث عهد بربه . فانظر إلى هذه المعرفة با لله من هذا النبي ما أجلَّهَا وما أعلاها وأَوضَحَها . فقد سخَّر المطرُ أفضل البشر لقربه من ربه فكان مِثْلَ الرسول الذي ينزل بالوحي عليه ، فدعاه ( 3 ) بالحال بذاته فبرز ( 4 ) إليه ليصيب منه ما أتاه به من ربه فلو لا ما حصلت له منه الفائدة الإلهية بما أصاب منه ، ما برز بنفسه إليه . فهذه رسالة ماء جعل الله منه كل شيء حي فافهم . وأما حكمة إلقائه في التابوت ورميه في اليمِّ : فالتابوت ناسوته ، واليم ما حصل له من العلم بواسطة هذا الجسم مما أعطته القوة النظرية الفكرية والقوى ( 5 ) الحسية والخيالية التي لا يكون شيء منها ولا من أمثالها لهذه النفس الإنسانية إلا بوجود هذا الجسم العنصري . فلما حصلت النفس في هذا الجسم وأُمِرَت بالتصرف فيه وتدبيره ، جعل الله لها هذه القوى آلات يُتَوَصَّل ( 6 ) بها إلى ما أراده الله منها في تدبير هذا التابوت الذي فيه سكينة الرب . فرُمِي به في اليم ليحصُلَ بهذه ( 7 ) القوى على فنون العلم ( 8 ) فأعلمه بذلك أنه وإن كان الروح المدبر له هو المَلِك ، فإنه لا يدبره إلا به . فأصحبه هذه القوى الكائنة في هذا الناسوت الذي عبر عنه بالتابوت ( 9 ) في باب الإشارات والحِكَم . كذلك تدبير الحق العالَم ما دبَّره إلا به أو بصورته ، فما دبَّره إلا به كتوقف الولد على إيجاد الوالد ، والمسببات علىأسبابها ، والمشروطات على شروطها ، والمعلولات ( 10 ) على عللها ، والمدلولات على أدلتها ، والمحقَّقات

--> ( 1 ) ن : فسخر ( 2 ) ب : نفسه ( 3 ) « ب » و « ن » : يدعوه . ودعاه أي المطر دعا الرسول بلسان الحال ( 4 ) « ب » و « ن » : فيبرز ( 5 ) ب : والقوة ( 6 ) ب : تتوصل ( 7 ) ب : ساقطة ( 8 ) ا : العلوم ( 9 ) ب : في التابوت ( 10 ) ن : المعلومات